مقالات

الإعلام المصري أمام لحظة الإصلاح.. من «الفضفضة» إلى خطة الإنقاذ


الإعلام المصري أمام لحظة الإصلاح.. من «الفضفضة» إلى خطة الإنقاذ
بقلم: عصام مصيلحي

لم تكن «الفضفضة» التي طرحها الكاتب الصحفي ضياء رشوان،

وزير الدولة للإعلام، مجرد حديث عابر عن أحوال المهنة،

بقدر ما بدت أقرب إلى جرس إنذار بشأن واقع الإعلام المصري وما يواجهه من تحديات متراكمة. فالوزير، الذي تحدث من موقع الصحفي قبل الوزير،

دعا إلى النهوض بالصحافة والإعلام وإعادتهما إلى المكانة التي تليق بهما،

وفتح المجال أمام تعدد الآراء، وتعزيز الدور الوطني والمجتمعي للإعلام.

واللافت أن حديث الوزير لم يكتفِ بتشخيص المشكلة،

بل تضمن مجموعة من الأفكار التي تمس جوهر الأزمة:

حضور المواطن في قلب العملية الإعلامية، تنشيط الحياة السياسية، إتاحة مساحات أكبر للحوار،

الاهتمام بالثقافة والهوية، وتطوير أدوات المؤسسات الإعلامية لتواكب العصر.

لكن السؤال الأهم الآن: هل يستطيع الإعلام المصري الانتقال من مرحلة تشخيص المشكلات إلى مرحلة الحل؟

الإجابة تحتاج إلى مشروع متكامل، لأن أزمة الإعلام المصري ليست أزمة صحفي أو قناة أو صحيفة،

وإنما أزمة منظومة كاملة تغير العالم من حولها بسرعة، بينما ما زالت أجزاء كبيرة من هذه المنظومة تعمل بعقلية تنتمي إلى عصر مختلف.

المواطن أولًا.. وليس الخبر أولًا

أحد أهم الأفكار التي وردت في رؤية الوزير هو إعادة المواطن إلى قلب الإعلام.

وهذه ربما تكون نقطة البداية الحقيقية.

فالإعلام الذي يتحدث عن المواطن دون أن يستمع إليه يفقد جزءًا أساسيًا من تأثيره.

والمواطن المصري اليوم لا يريد فقط أن يعرف ما الذي فعلته الحكومة،

وإنما يريد أن يعرف: كيف سيؤثر ذلك في حياته؟

يريد أن يعرف لماذا ارتفعت الأسعار، وكيف يحصل على خدمة حكومية،

وماذا يحدث في التعليم والصحة والنقل والإسكان، وما حقوقه، ومن المسؤول عن مشكلة يواجهها يوميًا.

الحل هنا هو الانتقال من إعلام البيانات إلى إعلام الحياة اليومية.

يجب أن يصبح المواطن مصدرًا للموضوع، وليس مجرد متلقٍ له. ويمكن تحقيق ذلك من خلال برامج ومساحات ثابتة لاستقبال شكاوى المواطنين، والتحقق منها،

ومتابعة استجابة الجهات المعنية، مع تطوير أدوات صحافة البيانات والصحافة المحلية التي تقترب من الناس في المحافظات والقرى والمراكز، لا أن تظل القاهرة هي المصدر الوحيد لمعظم القصص.

حرية الرأي ليست رفاهية إعلامية

من أبرز ما طرحه الوزير ضرورة فتح المجال أمام تعدد الآراء والحوار العام، وهو أمر لا يمكن أن ينجح من دون بناء بيئة إعلامية تسمح بالاختلاف المسؤول.

الإعلام القوي ليس هو الذي يعرض رأيًا واحدًا، وإنما الذي يستطيع أن يعرض الآراء المختلفة في إطار مهني يحترم الحقيقة والقانون والمصلحة العامة.

والحل ليس في تحويل الإعلام إلى ساحة للفوضى أو الإساءة، وإنما في إدارة الاختلاف بدلًا من إلغائه.

يمكن وضع قواعد واضحة للحوار الإعلامي: معلومات موثقة، حق الرد، عدم التشهير، الفصل بين الخبر والرأي،

وعدم تقديم الشائعات في صورة حقائق. وفي المقابل،

يجب توسيع مساحات النقاش الجاد حول القضايا العامة، لأن غياب النقاش المهني لا يلغي الرأي الآخر،

بل يدفعه إلى منصات غير مهنية.

وقد أكد رشوان في لقاءاته السابقة أن دور الوزارة هو التنسيق بين مكونات المنظومة الإعلامية،

وتوفير تدفق المعلومات، مع عدم التدخل في عمل الهيئات الإعلامية المستقلة،

والتعاون لضمان احترام الحريات التي كفلها الدستور.

وهنا تحديدًا يجب أن تتحول هذه المبادئ إلى ممارسة يومية يشعر بها الصحفي والمواطن معًا.

أزمة المعلومات.. حين يسبق «السوشيال ميديا» الصحافة

من أكبر المشكلات التي يعاني منها الإعلام المصري بطء الحصول على المعلومات الرسمية.

وفي عصر المنصات الرقمية، لم يعد مقبولًا أن ينتظر الصحفي ساعات للحصول على معلومة يمكن أن تنتشر خلال دقائق عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الحل يحتاج إلى منظومة حكومية حديثة للمعلومات.

كل وزارة وهيئة يجب أن تمتلك متحدثًا إعلاميًا فعالًا، وليس مجرد موظف يرسل بيانات مكتوبة.

ويجب أن تكون هناك قواعد واضحة للرد على استفسارات الصحفيين، مع تحديد مدد زمنية للاستجابة،

وإتاحة البيانات العامة بصورة رقمية قابلة للاستخدام.

كما أن إصدار قانون فعال لحرية تداول المعلومات سيكون خطوة أساسية في بناء علاقة أكثر نضجًا بين الدولة والإعلام والمجتمع.

وقد أعلن وزير الدولة للإعلام في يونيو الماضي أن الحكومة جادة في العمل من أجل إصدار قانون حرية تداول المعلومات.

المعلومة الرسمية السريعة والدقيقة هي أفضل سلاح ضد الشائعة.

الإعلام الرقمي.. من التهديد إلى الفرصة

لم يعد السؤال: هل ننتقل إلى الإعلام الرقمي؟

لقد انتقلنا بالفعل.

السؤال الحقيقي هو: هل نمتلك إعلامًا رقميًا مصريًا قادرًا على المنافسة؟

المؤسسات الصحفية لا يمكن أن تكتفي بتحويل النسخة الورقية إلى موقع إلكتروني. الموقع الإلكتروني نفسه أصبح مرحلة قديمة إذا لم يكن جزءًا من منظومة رقمية متكاملة تشمل الفيديو القصير، والبودكاست،

والإنفوجراف، والقصص التفاعلية، والنشرات البريدية،

والمنصات الصوتية، وتطبيقات الهاتف، وتحليل بيانات الجمهور.

وقد وصف رشوان الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الحديثة بأنها فرصة وليست تحديًا فقط،

داعيًا المؤسسات الصحفية إلى دخول هذا المجال بقوة والاستفادة من أدواته وتطبيقاته للوصول إلى الأجيال الجديدة.

وهذا يتطلب استثمارًا حقيقيًا، لا مجرد إنشاء صفحات على مواقع التواصل.

نحن بحاجة إلى غرفة أخبار رقمية حديثة تعمل على مدار الساعة،

وتضم صحفيين ومحرري فيديو ومصممي إنفوجراف ومحللي بيانات ومتخصصين في محركات البحث والذكاء الاصطناعي وإدارة المنصات.

الذكاء الاصطناعي.. لا بد من الدخول إلى المعركة

الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من صناعة الإعلام عالميًا،

ولن يكون أمام المؤسسات المصرية خيار تجاهله.

لكن المطلوب ليس استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة الأخبار فقط، وإنما استخدامه في تحليل اتجاهات الجمهور، واكتشاف الأخبار الكاذبة،

وتلخيص الوثائق، وتحليل البيانات، وإنتاج المحتوى متعدد اللغات، ومساعدة الصحفي في الوصول إلى المعلومات.

وفي الوقت نفسه، يجب وضع ميثاق مهني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة يحافظ على مسؤولية الإنسان عن المحتوى،

ويمنع نشر المواد المولدة آليًا دون مراجعة، ويحمي حقوق الملكية الفكرية والخصوصية.

الإعلام الذي لا يستخدم أدوات المستقبل سيجد نفسه عاجزًا عن منافسة من يستخدمها.

الصحافة القومية.. الإنقاذ ليس بالتمويل وحده

الصحافة القومية تمتلك رصيدًا تاريخيًا ضخمًا، وأسماء مؤسسات وصحفيين ومدارس مهنية لا تزال قادرة على صناعة تأثير حقيقي.

لكن المشكلة أن امتلاك التاريخ لا يعني امتلاك المستقبل.

رشوان أكد أن الصحافة القومية ما زالت تمتلك كفاءات وخبرات قادرة على صناعة رسالة قوية،

لكنه أشار أيضًا إلى التحديات التي تواجه هذه المؤسسات والحاجة إلى تطوير أدواتها ومواكبة العصر.

والحل لا ينبغي أن يكون مجرد ضخ أموال لسد الخسائر.

نحتاج إلى إعادة هيكلة اقتصادية وإدارية ورقمية للمؤسسات القومية، وإعادة تعريف وظيفة الصحيفة نفسها.

لماذا تمتلك المؤسسة مطبعة ضخمة إذا كان جمهورها الأساسي يقرأ على الهاتف؟

لماذا تستمر بعض الإدارات بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها قبل عشرين عامًا؟

لماذا لا تتحول المؤسسات القومية إلى مراكز إعلامية متعددة المنصات تنتج الأخبار والتحقيقات والأفلام الوثائقية والبودكاست والكتب والدراسات والمحتوى التعليمي؟

الإصلاح الحقيقي يعني أن تصبح المؤسسة أكثر رشاقة، وأكثر قدرة على إنتاج الإيرادات، وأقل اعتمادًا على الدعم المباشر.

الصحفي.. الاستثمار الحقيقي

لا يمكن إصلاح الإعلام من دون إصلاح أوضاع الصحفيين والإعلاميين.

فالمؤسسة التي تريد محتوى قويًا يجب أن تمتلك صحفيًا قادرًا على إنتاجه.

نحتاج إلى برامج تدريب مستمرة في الصحافة الرقمية، والتحقيقات الاستقصائية، والتحقق من المعلومات، والبيانات، والاقتصاد، والذكاء الاصطناعي، والأمن الرقمي، واللغات الأجنبية.

كما يجب إعادة النظر في الأجور وبيئة العمل والمسارات المهنية، لأن الإعلام لا يستطيع أن يستقطب أفضل المواهب إذا كانت المهنة لا تمنح أصحابها حياة مهنية مستقرة.

تنشيط الحياة السياسية.. والإعلام شريك أساسي

من النقاط المهمة التي تضمنتها الأفكار المطروحة تنشيط الحياة السياسية، وإتاحة مساحات لمناقشة الاستعدادات للانتخابات المحلية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، وفتح المجال أمام الممارسين والمتخصصين لعرض آرائهم.

وهنا يمكن للإعلام أن يؤدي دورًا بالغ الأهمية.

الإعلام ليس حزبًا سياسيًا، لكنه يستطيع أن يكون ساحة وطنية للحوار.

يمكن إنشاء برامج ومنصات متخصصة تناقش السياسات العامة، وتستضيف المؤيد والمعارض والخبراء،

وتشرح للمواطن البرامج الانتخابية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية بلغة يفهمها، بعيدًا عن الصراخ والمزايدات.

وهذا من شأنه أن يعيد السياسة إلى المجتمع، ويعيد الجمهور إلى الإعلام في الوقت نفسه.

الثقافة.. القوة الناعمة التي لا يجب أن نخسرها

من الأفكار اللافتة كذلك الاهتمام بالثقافة والهوية والقوة الناعمة.

مصر لا تمتلك فقط تاريخًا سياسيًا، وإنما تمتلك رصيدًا هائلًا من الثقافة والفنون والأدب والسينما والموسيقى والآثار والشخصيات العلمية والفكرية.

لكن جزءًا كبيرًا من هذا الرصيد لا يتم تقديمه بالطريقة التي تناسب الجمهور الجديد.

نحتاج إلى إعلام ثقافي جديد لا يتحدث إلى النخبة فقط، وإنما يجعل الثقافة جزءًا من الحياة اليومية للشباب.

فيلم قصير عن شخصية مصرية عظيمة قد يكون أكثر تأثيرًا من مقال طويل، وبودكاست عن تاريخ القاهرة قد يجذب ملايين المشاهدات إذا صيغ بلغة عصرية، وقصة عن قرية مصرية يمكن أن تصبح محتوى عالميًا إذا امتلكت المعالجة المهنية.

القوة الناعمة المصرية تحتاج إلى إعادة اكتشاف، لا إلى مجرد الاحتفال بها.

من «الفضفضة» إلى خطة عمل

ربما تكون أهم قيمة في حديث وزير الدولة للإعلام أنه فتح الباب أمام الاعتراف بأن هناك مشكلة.

فالوزير قال بوضوح في يونيو إنه غير راضٍ عن حال الصحافة والإعلام في مصر، معتبرًا أن جزءًا من المشكلات خارج عن إرادته وجزءًا آخر يرتبط بأهل المهنة أنفسهم.

وهذا الاعتراف ينبغي ألا ينتهي عند حدود الكلام.

المطلوب الآن أن تتحول «الفضفضة» إلى خطة إنقاذ إعلامي مصرية تتضمن جدولًا زمنيًا واضحًا، ومؤشرات لقياس النجاح، ومسؤوليات محددة لكل جهة.

يمكن أن تبدأ الخطة بعشرة ملفات عاجلة:

إطلاق استراتيجية وطنية للتحول الرقمي الإعلامي.

تسريع تدفق المعلومات الرسمية إلى الصحفيين.

إقرار إطار عملي لحرية تداول المعلومات.

توسيع مساحات الحوار وتعدد الآراء.

إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية والإعلامية اقتصاديًا.

رفع أجور الصحفيين وتحسين بيئة العمل.

إنشاء برامج تدريب وطنية للصحفيين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحقق الرقمي.

دعم الصحافة الاستقصائية والصحافة المحلية.

إعادة بناء الإعلام الثقافي وتعظيم القوة الناعمة المصرية.

قياس تأثير الإعلام على الجمهور، وليس فقط عدد المشاهدات والزيارات.

الإعلام الذي نريده

المشكلة الحقيقية ليست أن مصر لا تمتلك صحفيين موهوبين، ولا أنها تفتقر إلى مؤسسات عريقة، ولا أنها بلا تاريخ إعلامي.

على العكس تمامًا.

مصر تمتلك واحدًا من أعمق التراكمات الصحفية والإعلامية في المنطقة، وقد أكد رشوان أن الصحافة المصرية ما زالت تمتلك رصيدًا مهنيًا وفكريًا كبيرًا يمتد لنحو قرنين.

لكن الماضي وحده لا يصنع المستقبل.

المنافسة اليوم ليست بين صحيفة وصحيفة، أو قناة وقناة، وإنما بين منظومات إعلامية كاملة تتنافس على عقل المواطن ووقته وثقته.

والفائز في هذه المعركة ليس الأكثر ضجيجًا، وإنما الأكثر سرعة ودقة ومهنية وقدرة على فهم الجمهور.

إن مصر لا تحتاج إلى إعلام يردد ما تعرفه، ولا إلى إعلام يعارض من أجل المعارضة، وإنما تحتاج إلى إعلام قوي، مهني، مستقل في أدواته، مسؤول في رسالته، سريع في معلوماته،

جريء في تحقيقاته، قريب من المواطن، وقادر على مخاطبة العالم بلغته الجديدة.

وهنا تكمن الفرصة الحقيقية أمام ضياء رشوان والمؤسسات الإعلامية المصرية: أن تتحول «الفضفضة الضرورية» إلى بداية لحوار وطني واسع حول مستقبل الإعلام، ثم إلى قرارات، ثم إلى مؤسسات تتغير بالفعل.

فإذا كان الإعلام المصري يريد أن يستعيد تأثيره، فعليه ألا يكتفي بأن يتحدث عن التغيير.

عليه أن يبدأ التغيير من داخله.

اظهر المزيد

شبكه أخبار مصر

فاطمة الشوا رئيس مجلس إدارة جريدة شبكة أخبار مصر وصاحبة الإمتياز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock