الدكروري يكتب عن النظر في عاقبة الأمور

الدكروري يكتب عن النظر في عاقبة الأمور
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن كانت العظمة بالتبريز في أساليب السياسة فإن نبينا المصطفي صلي الله عليه وسلم ذلك السياسي الذي لم يخطئه التوفيق في موقف من مواقفه، مع الصدق والمناصحة والبعد عن المخادعة والنفاق، ولئن كانت المهارة في قيادة الجيوش وإحراز أعظم النصر بأقل التضحيات فهذا شأنه صلى الله عليه وسلم في كل غزوة من غزواته أو سرية من سرايا جيشه المظفر، ولئن كانت بقوة التأثير فإن تأثير النبي صلي الله عليه وسلم في أصحابه لم يري التاريخ مثله في وقت من أوقاته، أو صفحة من صفحاته، وما رأت الدنيا جماعة من الجماعات سارت على هدي نبيها، أو اتبعت سنة قائدها كتلك الجماعة المؤمنة المخلصة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإنك لتقرأ كتاب العظمة.
فترى عظمة محمد صلي الله عليه وسلم أوضح سطوره، وأروع معانيه، فليعتز المسلمون بذلك وليكن لهم في نبيهم العظيم أسوة حسنة، فينبغي علينا أيها المسلمون التدبر فى كتاب الله، ويعرف التدبر في اللغة بأنه النظر في عاقبة الأمور ومعانيها بتعمق، فقال الله تعالى ” أفلا يدبروا القول ” أي لم يفهموا ما خاطبهم به القرآن، وقيل أن معنى التدبر في الاصطلاح الشرعي بأنه التأمل في معاني القرآن، والتفكر فيه وفي عواقبه ومبادئه وكل ما يلزم من ذلك، ويعد تدبره من أفضل العبادات، لأن المسلم من خلاله يفهم كلام الله عز وجل ومراده، ولذلك ورد عن الإمام الزركشي قوله بكراهة قراءة القرآن من غير تدبر، فقراءته مع تدبره أفضل من قراءته سريعا من غير تدبُر.
ومما يؤكد ذلك قوله تعالى ” كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ” وأيضا تدوين القرآن الكريم لما أنزل الله تعالىن فالقرآن كان واجبا على الأمة حفظه، وذلك بكتابته وتدوينه، فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم، كتابا له وسمّاهم كُتاب الوحي، فكانوا يكتبون ما ينزل منه على الحجارة وأوراق النخل والرقاق البيض، وعندما تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ارتد الكثير من الناس عن الإسلام وامتنعت بعض القبائل عن دفع الزكاة، مما اضطره إلى مُحاربتهم، وقد بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه لقتال مُسيلمة الكذاب، واستشهد في ذلك القتال سبعون من قراء الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه
وهو أحد القراء الذين أمر النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، بأخذ القرآن عنهم فاستشعر عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطورة ذلك، فأشار على أبي بكر رضي الله عنه بجمع القرآن وكتابته في مصحف واحد بدل أن يكون متفرقا في الصحف، وقد رفض أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذه الفكرة في البداية، وبقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يراجعه في ذلك إلى أن شرح الله تعالى صدره لهذه الفكرة، فوضع مجموعة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم لهذه المهمة وعيّن عليهم زيد بن ثابت رضي الله عنه، لأنه كان أحد كتاب الوحي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن وجمعه من الصحف ومن صدور الرجال الحفظة حتى جمع القرآن كاملا.



