في عامه الـ57.. الدكتور عصام مصيلحي.. مسيرة بين أصالة الأزهر وريادة الإعلام وصناعة الإنسان
من علوم اللغة العربية إلى قيادة العمل الصحفي وتطوير المنظومة الإعلامية.. رحلة علم وعطاء لا تتوقف
القاهرة – أخبار مصر
في السادس من أغسطس 1969 بدأت رحلة الدكتور عصام محمد مصيلحي، وفي السادس من أغسطس 2026 يكمل عامه السابع والخمسين، بعد مسيرة مهنية وفكرية امتدت بين العلم واللغة والصحافة والإعلام والتنمية البشرية، لتقدم نموذجًا لشخصية جمعت بين أصالة التكوين الأكاديمي ومتطلبات العصر.
فالسنوات في حياة أصحاب التجارب لا تُقاس بأرقامها، وإنما بما تركته من علم وخبرة وأثر؛ ومسيرة الدكتور عصام مصيلحي تبدو رحلة متصلة بدأت من رحاب الأزهر الشريف وعلوم اللغة العربية، ثم اتسعت إلى الصحافة والإدارة الإعلامية والتنمية البشرية والتأليف.
من الأزهر وعلوم العربية إلى رحاب المعرفة
كان التكوين العلمي في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر حجر الأساس في مسيرته، حيث تخصص في علوم اللغة، وواصل دراساته العليا في علم النحو، حاصلًا على درجتي الماجستير والدكتوراه في هذا المجال.
وانعكس هذا التكوين على اهتمامه بالكتابة والتأليف، فقدم عددًا من المؤلفات في علوم العربية، من بينها «النحو الشامل» و«الصرف الشامل» و«معجم النحو والإعراب»، ساعيًا إلى الجمع بين دقة العلم وتبسيطه للدارسين والمهتمين بلغة الضاد.
لكن المعرفة لديه لم تتوقف عند حدود اللغة، فاتجه إلى التنمية البشرية، وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في هذا المجال، إلى جانب الدكتوراه المهنية في آليات تطوير الإعلام، ليجمع بذلك بين علوم التراث والعلوم الإنسانية الحديثة ومجال الإعلام.
الصحافة.. من ممارسة الكلمة إلى قيادة المؤسسات
كانت الصحافة المجال الذي تحولت فيه المعرفة إلى ممارسة يومية واحتكاك مباشر بقضايا المجتمع.
وعبر سنوات العمل الصحفي، تدرج الدكتور عصام مصيلحي في عدد من المواقع المهنية، وصولًا إلى تولي منصب مدير تحرير جريدة الراية القطرية، ثم رئيس تحرير أخبار مصر، حيث ارتبطت تجربته بإدارة العمل التحريري وتطوير الأداء ومواكبة التحولات التي شهدتها صناعة الإعلام.
وتكتسب هذه الخبرة أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإعلام؛ فلم تعد الصحافة مجرد صحيفة ورقية، وإنما أصبحت منظومة متعددة المنصات، يتداخل فيها المحتوى الصحفي مع الإعلام الرقمي والبيانات والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.
مستشار وزير الإعلام.. الخبرة في خدمة التطوير
ومن أبرز المحطات في مسيرته توليه منصب مستشار وزير الإعلام للتنسيق والتطوير والتقييم، وهي مسؤولية نقلت التجربة من ممارسة العمل الصحفي وإدارة المؤسسات إلى مساحة أوسع تتعلق بتطوير المنظومة الإعلامية وتقييم الأداء وتعزيز التنسيق.
وهنا تلتقي الخبرة الميدانية بالتكوين الأكاديمي؛ فالتطوير الإعلامي لا يحتاج فقط إلى معرفة التكنولوجيا، وإنما يحتاج إلى فهم طبيعة المؤسسة، واحتياجات الجمهور، وأهمية المهنية، ودور الإعلام في بناء الوعي.
من تطوير الإعلام إلى بناء الإنسان
إلى جانب اللغة والإعلام، امتدت مؤلفاته إلى قضايا الإنسان والأسرة والتنمية، ومن بينها «القدوة والقيادة في التربية الصحيحة والتوجيه الأسري»، و**«الطريق إلى السعادة»، و«رحلة البحث عن إنسان»**.
وتكشف هذه العناوين عن خيط فكري يجمع جوانب تجربته المختلفة: الاهتمام بالإنسان.
فاللغة أداة للتعبير، والإعلام أداة لصناعة الوعي، والتربية وسيلة لبناء الشخصية، والتنمية محاولة لاكتشاف قدرات الإنسان وتطويرها.
ومن هنا يبدو الجمع بين هذه المجالات أكثر من مجرد تنوع في الاهتمامات؛ فهو انتقال من الاهتمام بالكلمة إلى الاهتمام بما تصنعه الكلمة في الإنسان والمجتمع.
بين لغة الضاد ولغة العصر
ربما تكون هذه الثنائية هي الأكثر تعبيرًا عن تجربته: لغة الضاد من ناحية، ولغة العصر من ناحية أخرى.
فمن علوم النحو والصرف، التي تقوم على الدقة والانضباط، إلى الإعلام الحديث الذي يتطلب السرعة والتجدد ومواكبة التكنولوجيا، تتشكل رؤية تجمع بين الحفاظ على جوهر المهنة وتطوير أدواتها.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تصبح هذه المعادلة أكثر أهمية؛ فالتكنولوجيا تستطيع أن تغير طريقة إنتاج المحتوى وتوزيعه، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الوعي المهني، ولا تغني عن اللغة السليمة، ولا تعفي الإعلامي من مسؤوليته تجاه الحقيقة والمجتمع.
57 عامًا.. وما زال الطريق مفتوحًا
في عامه السابع والخمسين، لا تبدو مسيرة الدكتور عصام محمد مصيلحي مجرد سجل من المؤهلات والمناصب والمؤلفات، وإنما تجربة متراكمة بين العلم والمهنة والفكر والعمل المؤسسي.
من الأزهر بدأت الرحلة، ومن لغة الضاد تشكل جانب مهم من التكوين، ومن الصحافة جاءت الخبرة، ومن الإدارة الإعلامية جاءت مسؤولية التطوير، ومن التنمية البشرية والتأليف جاء الاهتمام ببناء الإنسان.
ويبقى القاسم المشترك بين هذه المحطات جميعًا هو الكلمة؛ كلمة درسها، وكلمة كتبها، وكلمة أدار من خلالها العمل الصحفي، وكلمة حاول بها أن يضيء طريقًا أمام قارئ أو طالب أو إنسان يبحث عن معنى أفضل للحياة.
وفي عيد ميلاده السابع والخمسين، لا يكون الاحتفاء الحقيقي بعدد السنوات التي مضت، وإنما بما يمكن أن تحمله السنوات المقبلة من علم وعمل وأثر.
سبعة وخمسون عامًا مضت، وما زالت الكلمة رسالة، والمعرفة مسؤولية، والخبرة أمانة، والطريق مفتوحًا أمام مزيد من العطاء.
كل عام والدكتور عصام محمد مصيلحي بخير، ومسيرته المهنية والفكرية تمضي إلى آفاق أوسع، حاملة معها قيمة العلم، ومسؤولية الكلمة، ورسالة الإعلام، وغاية بناء الإنسان.