أخبار مصر

” قامات الجلالة ” في بلاط صاحبة الجلالة

” قامات الجلالة ” في بلاط صاحبة الجلالة

بقلم : سلوى علوان

 كم على غزة أن تعد من ليالي الرعب والموت؟ كم عليها أن تعد من أيام الفقد والغياب والوجع؟ كم عليها أن تعد من ساعات الجوع والعطش والبرد والمرض والغربة والنزوح؟ كم عليها أن تعد من راحلين ومكلومين وباكين كي تسقط لعنة الحساب وتختفي قسوة الأرقام؟

كأن كل أوجاع الكون تهبط على غزة، سماؤها أمواج بحرها شوارعها وبيوتها ذابلة ومتعبة، حتى صوت عصافيرها على الأشجار يأتي خافتًا مكتومًا، حزن هذه المدينة متجذر لا ينصرف، كأنها تعيش في مجرة أخرى!!”

كلمات تركتها صاحبتها على باب غزة قبل أن ترحل بساعات..

على باب غزة وقفوا يعلنون كلمة الحق ويرفعون راية النضال جنبًا إلى جنب بجوار أهلهم في فلسطين وتحت قصف الطائرات وقاذفات المدافع صمدوا يساندون وطنهم في محنته، يخلصون في البحث عن طريقٍ لتحقيق عدالة قضيتهم، وعلى مذبح الحرية تم استهدافهم فارتقوا واحدًا تلو الآخر ما بين شهيد وجريح، وقد استهدف الاحتلال الغاشم عائلاتهم ولم يتوان عن تهديدهم ووعيدهم لإجبارهم على الاستسلام وترك سلاحهم “الكلمة والصورة”هذا السلاح الذي يواجهون به العدو الصهيوني ويفضحون به جرائم حربه ومخطط استعماره وإبادته لشعبهم.. وفي سبيل توصيل رسالتهم دفعوا أعمارهم وحياة عائلاتهم ثمنًا ليسمع العالم “الكلمة” ويرى “الصورة”

هم حقًا أصحاب الجلالة والفخامة والسمو الذين ضحوا بأرواحهم في بلاط صاحبة الجلالة..

فقد أعلن مكتب الإعلام الحكومي بغزة عن استشهاد (١٠٣) صحافيًا وصحافية منذ السابع من أكتوبر ، ونقلت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) عن لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين أنه “وفق الرصد والمتابعة فإن هؤلاء الصحفيون قد ارتقوا بفعل الاستهداف الإسرائيلي للصحفيين وفق الأدلة والبيانات والشواهد التي تؤكد على ارتكاب جيش الاحتلال لهذه الجرائم”

وأضافت اللجنة التي تم تشكيلها للتحقيق في هذا الصدد أن مسلسل تعمد اغتيال الصحفيين لا يتوقف عند الاستهداف الشخصي لهم على خلفية عملهم المهني بل يطال عائلاتهم، حيث استشهد المئات من عائلات الصحفيين في قصف متعمد لمنازلهم ليدفعوا أرواحهم ثمنًا لمهنة أبنائهم وآبائهم وأمهاتهم، وأن كثيرًا منهم معتقلين ومفقودين ومهجرين…

في صمت تأفل النجوم دون مراسم وداع، كثيرون كثيرون أصحاب حكايات وأبناء وأحباب وذكريات وأحلام تركوها لم ولن تكتمل، رحلوا وسط هذا الضجيج الكبير في صمت، رحلوا تحت قصف الطائرات والمدافع وبأيدي القناصة بالرصاص الحي.

فوق هذه الأرض عاش وائل الدحدوح ورفاقه، هؤلاء الذين صاروا أيقونة الكلمة وأبطال حكاياتها، وائل واحد من أبطال المقاومة في بلاط صاحبة الجلالة، استهدفه العدو الصهيوني أكثر من مرة، اغتال عائلته، زوجته وأبنائه وأحفاده، إلا أنه سرعان ما عاد ليثبت أنه لن يضعف ولن يستسلم ولن يتنازل عن رسالته ولن يخذل مهنته ولا أهله ولا وطنه..

 فور دفن جثامين عائلته اشتدت قامته وارتفعت هامته أمام الكاميرا ليرصد ما يجري من أحداث على أرضه ينقل ما حدث له وما يحدث لوطنه متكئًا على حرفه، متجاوزًا همه وألمه، صابرًا وصامدًا حتى لا يمنح العدو فرصة لأن يراه منكسرًا أو ضعيفًا محمومًا بأوجاع فقده..

لم ينته الأمر هنا، فعيون أعداء وطنه له ولأصدقائه بالمرصاد، فكيف لـ “وائل” أن يصمد؟ هو بذلك سيكون مثلاً يحتذى به غيره في الصمود، عليهم أن يعاودوا محاولة قتله وقتل كل صاحب صوت، في هذه المرة كان بصحبته رفيقه “سامر أبو دقة” كلاهما يجب أن يموت، يجب أن تموت الكلمة وتموت الصورة أيضًا، أصيب وائل وسامر، وكما هي الحكاية التي سمعناها ومازلنا نسمعها عن منع وصول سيارات الإسعاف لمصابي وجرحى القصف، منعت الإسعاف عن سامر بينما تمكن وائل بصعوبة من الوصول إليها بجراحه النازفه وخوفه المفرط على صاحبه “سامر الذي ظل ينزف ويستغيث لأكثر من خمس ساعات وعدوه يراقبه عن كثب ويمنع إنقاذه حتى ارتقت روحه وصعدت إلى بارئها..

مرةً أخرى يعافر وائل مع وجعه ويتعالى على جراحه وألمه ليطل على العالم أمام عدسات الكاميرا بعد ساعات قليلة لينعي صاحبه ويكشف ستر ما جرى ويرسم صورة ما حدث بعد أن فقدت كاميرا سامر التي تم قصفها معه فرحلت مع صاحبها ملتصقة في جسده تأبى أن تفارقه حتى في موته.

أما سامر الذي ترك خلفه ثلاثة أولاد وزوجه، فقد شاء القدر أن نرى أبناء هذا المناضل ونعرف كم بطلاً تعلم في بيته وتسلم راية الكلمة بعد أبيه، فرغم صغر سن أبنائه إلا أنهم كانوا كأبيهم وأصحابه، صابرين صامدين مؤمنين، لا يعلنوا عن أوجاعهم أمام عدوهم أبدًا..

** بعد يوم من استشهاد والده وقصف منزله وقف الصحفي الفلسطيني أنس الشريف على أطلال منزل عائلته الذي دمره العدوان الهمجي ليحكي كيف تم إجبار عائلته على النزوح من هذا المنزل الذي توارثوه أبًا عن جد، ويبدو أن والد أنس كان يعز عليه الموت بعيدًا عن أرض بيته، حيث عاد إليه بعد نزوحه منه ليتم استهداف المنزل والحي بأكمله، يستشهد والد أنس حيث تمنى أن يموت..

حكى أنس أن أحد الضباط الصهاينة اتصل به قبل هذه الواقعة بأيام وطلب منه أن يتوقف عن إرسال التقارير الصحفية التي يكشف فيها ما يجري من مذابح في غزة، لكن أنس لم يرضخ لكنه، كما أن رسائل التهديد من العدو الصهيوني لم تتوقف عن الوصول لهاتف أنس الذي لم يخيفه التهديد والوعيد فاستمر في عمله حتى نفذ العدو تهديداته..

أنس مثله مثل وائل وسامر ومئات الصحفيين الفلسطينيين الذين حملوا مشاعل الكلمة ليضيئوا لنا الطريق وسط ظلام الطغيان والظلم.

** كادت دموعه تغلبه أمام الكاميرا وهو يحكي عن استشهاد أمه وأبيه وأخته وأخويه أطباء وزوجتيهما طبيبات وأطفالهم في قصف للطيران الحربي الصهيوني لمنزلهم..

اختنقت الكلمات في حلقه وهو يقول “لا نستطيع حتى أن نكرمهم بالدفن أو نودعهم وداعًا كريمًا يليق بهم”

مؤمن الشرافي.. لم يتمكن مؤمن من تقبيل والدته قبل الرحيل ولم يستطع أن يلقاها كما تمنت في رسالة أرسلتها له بصوتها عبر الهاتف أثناء تغطيته أحداث الحرب في غزة “والله مشتاقة لك، كل يوم أدعيلك، دير بالك على حالك، ربنا يطمني عليك انت وزمايلك وتخرجوا من الحرب سالمين غانمين يا رب”

رحلت أم مؤمن السيدة “أمينة” لكن صوتها بقى، وحبها بقى، ورسالتها بقيت على هاتف مؤمن لتكن الذكرى الأخيرة الباقية له من أثرها بعد أن دمر الاحتلال كل شيء، حنى جدران منزله، حتى جثمانها وجثامين عائلته كلها لم يتمكن مؤمن من العثور عليها يعد أن غابت تحت الأنقاض بلا أدنى رحمة.

** هاني المغازي، صحفي فلسطيني آخر تلتحم جراحه بسابقيه وبمن معه حيث استشهد 20 فردًا من عائلته في لحظة واحدة دمر فيها منزله في غارة صهيونية غاشمة..

** بلال جاد، رئيس مجلس إدارة بيت الصحافة، تدرب على يديه عشرات الصحفيين، تم استهدافه داخل سيارته ليرحل تاركًا ذكرى فيقلوب محبيه وتلاميذه وعائلته، ووجعًا جديدًا في بلاط صاحبة الجلالة التي غرق ثوبها بدماء الأطهار..

 أفادت منظمة “فلسطينيات” عن نتائج استطلاع تم إجراؤه على صحفيات من غزة أظهر أرقامًا مروعة عن حجم معاناتهن: 84% منهن نازحات، 43% من الصحفيات فقدن أقاربهن، 32% منهن يعانين مشاكل صحية، بينما تعيش أكثر من 400 صحفية فلسطينية تحت القصف فى غزة.. هذه الأرقام مرعبة كما هو حال أعداد شهداء ومصابي غزة.. لنحكي إذًا بعض من حكاياتهن..

** أيات خضورة استشهدت مع عدد من أفراد أسرنها بقصف صهيوني، قالت آيات في فيديو لها قبل استشهادها بأيام “كان عندنا أحلام كبيرة مثل بقية البشر، لكن اليوم أصبح حلمنا أننا لو استشهدنا نستشهد جسد واحد لا نتحول إلى أشلاء توضع في أكياس، حينما نستشهد تلف أجسادنا في أكفان لا أكياس وأن ندفن بكرامة.. بقدر ما يتم التصوير والحكي والكلام لا يستطيع أي كلام نقل حقيقة ما يحدث”

** صحفية أخرى تركت لنا رسالتها ثم رحلت بلا ضجيج وسط كل هذا الضجيج، آلاء طاهر الحسنات، كتبت قبل استشهادها بأيام على صفحتها على الفيسبوك “كل لحظة تمر جنازة لعائلة وقصف وشهداء، كل لجظة تمر يشعر أهل غزة فيها بالخذلان، فلا تسألونا كيف حالكم، ماذا تتوقعون أن نجيب وكل منا ينتظر دوره في الشهادة بالقصف المدفعي أو قصف الطيران الحربي، فماذا تنتظرون لأن نجيبكم؟

ثم.. جاء الدور على آلاء لتلحق بآلاف الشهداء الذين ارتقوا على طريق الجنة..

** علا عطا الله، استشهدت وثمانية من أفراد عائلتها وبينهم ثلاثة أطفال بينما أصيب آخرون في قصف مدفعي لمنزلهم في غزة، كتبت في “تويتة” لها قبل استشهادها بيوم واحد ” كم على غزة أن تعد من ليالي الرعب والموت؟ كم عليها أن تعد من أيام الفقد والغياب والوجع؟ كم عليها أن تعد ن ساعات الجوع والعطش والبرد والمرض والغربة والنزوح؟ كم عليها أن تعد من راحلين ومكلومين وباكين كي تسقط لعنة الحساب وتختفي قسوة الأرقام؟

كأن كل أوجاع الكون تهبط على غزة، سماؤها أمواج بحرها شوارعها وبيوتها ذابلة ومتعبة، حتى صوت عصافيرها على الأشجار يأتي خافتًا مكتومًا، حزن هذه المدينة متجذر لا ينصرف، كأنها تعيش في مجرة أخرى!!”

حنين القطشان وعائلتها، دعاء شرف وطفلتها، و.. و.. و.. العشرات من شهداء وشهيدات الكلمة الذين ظن العدو الصهيوني أنه باغتيالهم لن تكتمل الصورة والمشهد، ظن أنه سيخرس كلمة الحق، وأن الكاميرا ستغيب عن شوارع غزة المعبأة بالأنين والوجع، وبيوتها المدمرة ومساجدها وكنائسها ومقدساتها المنتهكة ومشافيها المحتلة، ظن العدو أن باغتياله للصحفيين وأسرهم سيخافونه، فلن يكون هناك من يوثق جرائمه، وأن أحدًا لن يرصد جثامين الشهداء المتناثرة في الشوارع، ولا لحم الأطفال الخدج الذي تعفن فوق أسرة المستشفى وبات تأكله الكلاب الضالة بعد أن ماتوا جميعًا بلا رحمة حين احتل العدو المشفى فمنع عنهم الدواء والهواء واليد التي تطمئن وتربت، فجفت عيونهم من كثرة البكاء وجفت أوردتهم من قلة الدواء، ظنوا أن أحدًا لن يكتب عن الإعدام الجماعي في الشوارع، ولا قطع أطراف الصغار ولا شق بطون الحوامل، وأن أحدًا لن يرصد الجثامين المطلة من تحت الأنقاض والدمار يتعثر حتى على الناس إخراجها للدفن فيضطرون لتغطية ما يظهر من أطراف أجساد محترقة لتتحول كل أرض غزة إلى مدافن..

 آلاف آلاف الحكايات التي تبقى الكلمات أمامها هزيلة، والصورة معها باكية وموجعة، ورغم هذا تبقى للكلمة الحرة قيمة وثمنًا غاليًا يدفعه أنبياؤها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock