ثقافة

أعظم محاكمة في التاريخ

بقلم / هاجر الرفاعي

لقد جاءت الحضارة الإسلامية لتعمل على كل ما يتصل بالتقدم، والرقي الإنساني في مختلف الميادين كاللغة والأدب والفنون الجميلة، والصناعة، والتجارة، وغير ذلك من مظاهر النشاط الإنساني، ولكي تيسر السبيل إلى حياة إنسانية كريمة، فهذا هو الصحابي الجليل عمر بن الخطاب يدخل إلى مجلسه الذي فيه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار شابا صغيرا إنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ولكن لماذا؟ لأنه كان ذا علم ولما سألوا عنه وعن دخوله هذا المجلس مع كونه صغيراً ولهم أبناء أكبر منه، سأله عمر ابن الخطاب عن تفسير سورة النصر ” إذا جاء نصر الله والفتح” ففسرها أولئك القوم ثم سأل ابن عباس. 

فقال “هي أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه” قال ما أعلم منها إلا ما علمت فكان ذلك دليلا علي علمه، وانظروا إلي أعظم محاكمة في التاريخ حدثت مع أهل سمرقند، وقد فتحها القائد الفاتح قتيبة بن مسلم، وكانت قد تم فتحها بعد أن صالَح قتيبة أهلها،وولى عليها سليمان بن أبي السّريّ، فلما قَدم سليمان إلى سمرقند قال له أهلها إن قتيبة ظلمنا، وغدر بنا، وأخذ بلادنا، وقدأظهر الله العدل والإنصاف، فأذن لنا ليقدم وفد منا على أمير المؤمنين، فأذن لهم، فوجهوا وفدا منهم إلى الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز، وشكوا إليه أمرهم، فكتب عمر إلى سليمان بن أبي السري يقول له إن أهل سمرقند شكوا ظلما وتَحاملا من قتيبة عليهم. 

حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي لينظر فيأمرهم، فإن قَضى لهم فأخرج العرب من معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة، وذلك في عصر الخليفة الراشد عمر بن العزيز رضي الله عنه عند فتح سمرقند على يد قائد عظيم قتيبة بن مسلم، وبدأت المحاكمة؟ ناد الغلام “ياقتيبة” هكذا بلا لقب، فجاء قتيبة وجلس هو وكبير الكهنة أمام القاضي جميعهم، قال القاضي “ما دعواك يا سمرقندي؟” قال “اجتاحنا قتيبة بجيشه، ولم يدعنا إلى الإسلام ويمهلنا حتى ننظر في أمرنا” فالتفت القاضي إلى قتيبة وقال: “وما تقول في هذا يا قتيبة؟” قال قتيبة: “الحرب خدعة، وهذا بلد عظيم. 

وكل البلدان من حوله كانوا يقاومون ولم يدخلوا الإسلام ولم يقبلوا بالجزية” فقال القاضي “يا قتيبة هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب؟” قال قتيبة: “لا إنما باغتناهم لما ذكرت لك” فقال القاضي: “أراك قد أقررت، وإذا أقر المدعى عليه انتهت المحاكمة، يا قتيبة ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر وإقامة العدل” ثم قال: “قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء، وأن تترك لهم الدكاكين والدور، وأن لا يبقى في سمرقند أحد، على أن ينذرهم المسلمون بعد ذلك” لم يُصدّق الكهنة ما شاهدوه وسمعوه فلا شهود ولا أدلة، ولم تدم المحاكمة إلا دقائق معدودة. 

ولم يشعروا إلا والقاضي والغلام وقتيبة ينصرفون أمامهم، وبعد ساعات قليلة سمع أهل سمرقند بجلبة تعلو وأصوات ترتفع وغبار يعمّ الجنبات، ورايات تلوح خلال الغبار، فسألوا؟ فقيل لهم: “إنَ الحكم قد نم تنفيذه وأن الجيش قد انسحب” في مشهد تقشعر منه جلود الذين شاهدوه أو سمعوا به، وما إن غرُبت شمس ذلك اليوم إلا والكلاب تتجول بطرق سمرقند الخالية، وصوت بكاء يُسمع في كل بيت على خروج تلك الأمة العادلة الرحيمة من بلدهم، ولم يتمالك الكهنة وأهل سمرقند أنفسهم لساعات أكثر، حتى خرجوا أفواجا، وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين وهم يرددون شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock