فن

صالون سلوى علوان الثقافي يسعي لاسترداد هويتنا العربية ” عرب .. وطن واحد”

أجرى الحوار – محمد محمد السنباطي

سيدة من سيدات المجتمع المصري تتوقد نشاطًا، ولا تضيع وقتًا ولا جهدًا في سبيل خدمة مجتمعها والنهوض به ثقافيًّا واجتماعيًّا. صاحبة “مؤسسة سلوى علوان للثقافة والفنون والتنمية”، والتي يمكن وصفها بأنها “مؤسسة وصالون ثقافي يحاول جادًّا استرداد هويتنا وتنمية أجمل ما فينا كمصريين وعرب.. وطن واحد”.. ندوات أدبية راقية تعدها وتقدمها بنفسها، مسابقات أدبية مهمة وجوائز قيمة بعد تحكيم عادل، أمسيات فنية راقية واكتشاف مواهب، رعاية للفئات الخاصة وذوي الإعاقة والمرضى والأسر الفقيرة، رئيس وزراء مصري سابق يتواجد في أغلب الأحيان يبتسم للحضور ويقبل أيادي الأطفال القادمين مع آبائهم وأمهاتهم، ويقدم الجوائز بنفسه للفائزين في المسابقات ، كل ذلك والنجمة سلوى علوان تتلألأ في المكان ترحب بالحضور الجميل وتعد بمواصلة الأنشطة الثقافية أدبًا وفنًّا، مسرحا وقصة، إبداعًا شعريًّا وتمثيليًّا، ومن تقدم إلى تقدم ومن نجاح إلى نجاح. التقيتها وطاب لي أن أبدأ فأسألها عن نشأتها وطفولتها…

 

قالت:
عشت طفولتي في بيت جدي بحي شبرا، أعرق أحياء القاهرة والعامر بأجمل علاقات بين مسلميه ومسيحييه، كان لطفولتي تأثير كبير في تركيبتي الشخصية والنفسية، أتذكر أني كنت أرقب جدتي في صلاتها وهي تقرأ الفاتحة وتقول التشهد وتسجد لله فوق سجادة الصلاة، ثم تأخذني من يدي لزيارة كنيسة سانت تريزا، وتقف أمام تمثال القديسة تريزا تدعو الله بالستر والصحة والرزق، ولا تنسى دعوة للقديسة النائمة في تابوتها الزجاجي. كانت علاقاتنا بجيراننا المسيحيين متشابكة ومترابطة كأسرة واحدة، لم أكن أدري وقتها أن هذا النسيج الجميل قد يكون يومًا محل مطمع يتلاعب به أعداء الوطن، ولولا قوة التفاصيل التي عشتها وعاشها المصريون على مر التاريخ ما كنا تخطينا أحداثًا كبيرة بكل هذا الوعي الوطني والإدراك للمكيدة التي أراد أعداؤنا تدبيرها لنا..

 

بدأت الكتابة في سن صغيرة جدًا، فكنت أكتب القصص في المرحلة الابتدائية، وأشارك في مجلات الحائط وأدبج الموضوعات صحفية الحائط في المدرسة وأحصل على الدرجات النهائية في موضوعات التعبير، وأعتبر نفسي ضمن هذا الجيل الذي لحق بآخر المناهج التعليمية التربوية التي قامت على غرس الحب والخير والانتماء في قلوب وعقول الأجيال الجديدة، فكبرت وفي قلبي حلم بنشر الخير وإسعاد الناس، وفي عقلي رسالة مساعدة كل من يحتاج للمساعدة، ومن هنا كان طريقي للصحافة، الرسالة والحلم، وبالفعل منذ أن بدأت عملي الصحفي وأنا أتعامل معه كرسالة إنسانية ووطنية، أساعد من يحتاج المساعدة وأكشف عن الفساد وأدعم الثوابت الوطنية..

 

هذا يؤكد أهمية المدرسة وقدرتها على غرس القيم في نفوس الطلاب…
بالتأكيد بالتأكيد؛ فالمدرسة ليست لحشو المعلومات في أدمغة الطلاب، لكنها تعطي القدوة الحسبة، وتوسع المدارك، وتنمي القدرات. المدرسة عالم يتموج والطالب النجيب يتعلم العوم ويتحصن به من الغرق.
ذكرياتك كصحفية.. بعض المواقف الطريفة…
عملت بالصحافة، وامتد عملي بها لأكثر من ربع قرن، وخلال تلك الفترة مررت بالكثير من الأحداث والتجارب، وقد رصدت هذا كله في كتاب أعد له الآن اسمه “مذكرات صحفية مشاكسة” فيه الكثير من الحكايات والمواقف منها المؤلمة ومنها الطريفة، وفيه الكثير أيضًا من المغامرات الصحفية التي عشتها خلال رحلتي في بلاط صاحبة الجلالة.. منها ما يتعلق بقضايا فساد ومنها مما يتعلق بمشكلات وجرائم ومنها ما يتعلق بأحداث سياسية كبيرة عاشها الوطن.
رائع، وأعتقد أن من حقنا الوقوف عند إحدى هذه الطرائف…
لا مانع، وسأحكي إحداها، فقد كنت في مغامرة صحفية في مولد السيدة زينب، وكان ذلك في أوائل التسعينيات، وتعرضت وقتها لمحاولة اختطاف من سيدة كانت تدير إحدى الخيام داخل المولد، وتمكنت من الهروب منها وسط الزحام.

 

ومواقف عديدة طريفة وأخرى صعبة وقاسية جدًا، أحمد الله أني مررت بها فقد أثقلتني بالكثير من المشاعر الإنسانية وعلمتني الكثير من الدروس الحياتية..
كنا نتمنى معرفة التفاصيل لكننا سنحترم رغبتك في إرجاء ذلك ليظهر في كتاب. والآن نرجو التعرف على اهتماماتك العامة وإجراء المسابقات وإقامة الندوات بعد أحداث ثورتي 25 يناير و30 يونيو، وبعد الاطمئنان على أن مصر أصبحت في أيدي القوات المسلحة درع الأمان للوطن، شعرت برغبة في إحداث نوع من التغيير في حياتنا، خاصة بعد حالة الإنهاك النفسي التي مررت بها مثلي مثل كل المصريين الذين أرهقتهم أحداث العنف والدم والبلطجة والتغيرات التي طرأت على الشارع المصري من ارتفاع معدلات الجريمة وتنوعها شكلاً ومضمونًا، وفكرت في مبادرة لاستعادة روح الجمال والخير والإبداع وإعادة الهدوء مرة أخرى في نفوس المصريين، وقلت لنفسي أننا لو بدأنا في تحمل مسئولية هذا التغيير كل منا في مكانه ومحيطه ومجتمعه الصغير ستنتشر الفكرة ووتتوسع إلى محيط الوطن الكبير، وعليَّ أن أبدأ بنفسي، ومن ثم جاءت فكرة عمل صالون ثقافي شهري يجمع عددًا من المفكرين والأدباء والمبدعين في كافة المجالات وأن نمد جسور التواصل بين الأساتذة الكبار وشباب المبدعين، وكان هناك أكثر من هدف، أولها نشر حالة من الجمال والإبداع للشارع المصري، وإظهار قدوة ونموذج يحتذى به الشباب بدلاً من تلك الرموز التي سقطت وتشوهت أثناء الثورات والأحداث التي مر بها الوطن، وكذلك مساعدة الأجيال الجديدة على التعلم بالتواصل مع أساتذة المهنة في كافة المجالات الإبداعية.. وإمدادهم بالخبرات وفي نفس الوقت خلق حالة من الانتماء والوفاء، وفي هذا الوقت تواصلنا كفريق عمل مع جامعة القاهرة وعين شمس، وقمنا بعمل الكثير من الأنشطة الثقافية والفنية داخل الجامعة من ندوات ولقاءات مع الطلبة واكتشاف ورعاية وتنمية مواهبهم في كل المجالات الإبداعية، عمل مسابقة ثقافية على مستوى الوطن العربي لجميع فنون الكتابة، بدءً من الرواية ومرورًا بالمسرحية وشعر العامية والفصحى، والقصة القصيرة والمقال الصحفي، وقد لاقت نجاحًا كبيرًا داخل وخارج مصر.
أعرف ذلك، وحضرت بعض هذه اللقاءات واندهشت بحسن الترتيب والتقديم وبجودة المشاركة…..
نعم، وحينما ذاع صيت الصالون الثقافي وانضم إليه الكثير من الشباب والأطفال والرواد من كل فئات المجتمع، وتم التعويل عليه كمشروع ثقافي يأخذ بأيدي الكثيرين وأصبح يستنهض أحلام شباب وصغار المبدعين ضاقت مظلته الشرعية حيث أنه لا يعتبر كيانًا رسميًا حقيقيًا يستطيع التعامل مع كافة جهات الدولة ومؤسساتها التي من المفترض أن نتواصل ونتكاتف معها لدعم مواهب هؤلاء المبدعين وبناء عليه قمنا بتأسيس مؤسسة ثقافية فنية تنموية، لرعاية هذه المواهب والاستفادة من خبرات كبار الأدباء والمفكرين، وكذلك رعاية الفئات الخاصة وذوي الإعاقة والمرضى والأسر الفقيرة، والأيتام، وكل طوائف المجتمع الذين بحاجة للدعم النفسي والإنساني والمادي..

 

وفي المجال الفني على سبيل المثال، قامت المؤسسة بتأسيس فريق مسرحي وفريق غنائي من الشباب والأطفال، تم تدريبهم ورعايتهم والعمل على تنمية مواهبهم برعاية المؤسسة التي وفرت لهم كافة الإمكانيات لذلك، وشارك هؤلاء الشباب والأطفال في الكثير من العروض الفنية والاستعراضية والحفلات الغنائية التي أنتجتها ونظمتها المؤسسة في العديد من المسارح وبالتعاون مع مؤسسات الدولة أنتجت المؤسسة ثلاث مسرحيات كبرى، اثنتان منها كانتا بالتعاون مع وزارة الثقافة، مسرحية “عشان احنا واحد” وكانت لذوي القدرات الخاصة، أنتجت بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية، وحصلت على جائزة الفنان محمد صبحي للإبداع المسرحي لذوي القدرات الخاصة في مسابقة أولادنا التي تم تنظيمها تحت رعاية رئاسة الجمهورية وكانت على مستوى دولي كبير حيث شاركت العديد من دول العالم في المسابقة ورغم صعوبة المنافسة إلا أننا استطعنا الحصول على هذا المركز من لجنة تحكيم معظمهم من المحكمين الدوليين.. كما شارك هذا العرض في ملتقى دولي آخر على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، أما العرض الثاني فهو أوبريت وطني تمثيلي غنائي استعراضي بعنوان “حكايات جميلة” وقد تم إنتاجه بالتعاون مع الهيئة العامة لقصور الثقافة وتم اختياره عرض الافتتاح لمهرجان مسرح الهواة وتم عرضه على العديد من مسارح الدولة التابعة لوزارة الثقافة في القاهرة وبالمحافظات، وكذلك على مسرح وزارة الشباب والرياضة ومسرح نقابة الصحفيين.
أما العرض الثالث فكان من إنتاج المؤسسة برعاية شركة درك ستور، وكان نتاج مسابقة كبرى نظمتها المؤسسة في الكتابة المسرحية وتم إنتاج النص الفائز بالمركز الأول وعرضه على مسرح جامعة القاهرة ومسرح الهيئة العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
كما أقامت المؤسسة معرضًا فنيًا لأكثر من ستين من شباب الفنانين والموهوبين في الفن التشكيلي افتتحه الدكتور عصام شرف رئيس وزراء مصر الأسبق، وقام بختامه وتوزيع شهادات التقدير فيه الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ علي حسن رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، وكان لحضور قامتين كبيرتين مثل الدكتور عصام شرف والأستاذ علي حسن دعمًا كبيرًا للشباب الذين شعروا بأن هناك من الشخصيات العامة المحترمة من يدعمون فنهم ويهتمون بهم.

 

وتطرق الحديث إلى الجائحة فسألتها ماذا كان الحال في زمن الكورونا؟
في زمن الكورونا توجهت المؤسسة إلى العمل الخيري الإنساني بشكل أكبر، حيث قدمت المؤسسة الدعم للعديد من الأسر المتضررة من وباء كورونا والذين فقدوا وظائفهم وأعمالهم وليس لهم مصدر دخل ثابت يعينهم على الحياة، كما قامت المؤسسة بدور في مساعدة مرضى كورونا الذين أصابهم المرض ومنهم من لم يجد مكانًا في المستشفيات ومنهم من ليس لديه قدرة على شراء الدواء أو حتى وجبات الطعام، فقد اهتمت المؤسسة بدعم هذه الأسر وفقًا لاحتياجاتهم.
ما هي طموحاتك وأهدافك وما الذي تريدين تحقيقه؟
على المستوى الشخصي، أتمنى لو يمهلني العمر حتى تظهر للنور مجموعة من الأعمال الأدبية التي كتبتها لكنها بحاجة للنظر إليها قبل الطبع، فبعد النجاح الذي حققته مجموعتي القصصية الأولى “ليلة زفاف زوجي” وروايتي “امرأة خائفة” أصبحت أكثر حرصًا على الأعمال الجديدة حتى تحظى بنفس النجاح، كما أنني كتبت نصًا مسرحيًا وطنيًا حصلت على موافقة الشئون المعنوية عليه أتمنى لو يتم إنتاجه إما عن طريق المؤسسة أو عن طريق أي جهة تابعة للدولة..

 

أما أحلامي على مستوى العمل العام والمؤسسي، فأتمنى أن تكون مؤسستي من أهم الكيانات الداعمة للشباب وللمواهب في كافة المجالات، الإبداع، الاختراعات، كذلك دورنا الوطني في مكافحة الإرهاب بالفكر والفن والإبداع، وترسيخ المباديء الاجتماعية والوطنية لدى الأجيال الجديدة، وكذلك أن تكون لدينا القدرة على مساعدة أكبر عدد من الأسر المحتاجة وإقامة المشروعات الصغيرة وتعليمهم الحرف اليدوية والتراثية التي تدر لهم دخلا يوفر لهم حياة كريمة، وفي نفس الوقت نخلق كوادر جديدة تتعلم صناعة الحرف التراثية حتى لا تندثر ومن ثم نستطيع الحفاظ عليها كجزء مهم وحيوي من هويتنا وثقافتنا وتاريخنا المصري.
وهناك حلم دائمًا ما يراودني، أن يمنحني الله القدرة على إنشاء دار أيتام، أستطيع من خلالها تقديم نموذج إنساني ومهني يليق بقيمة هذا المعنى النبيل.

 

ما المعوقات التي تعترض طريقك وما السبيل للتغلب عليها؟
أهم عائق يواجه المؤسسة هو العائق المادي، حيث تتطلب المشروعات التي تقوم بها المؤسسة تمويلا كبيرًا ولا توجد حتى الآن أية جهات راعية أو داعمة للأنشطة والمشروعات.. حتى أن التسويق أو الدعاية لأي كيان أو نشاط يحتاج إلى دعم مثل المؤسسات الكبرى التي تلقى إقبالاً من المتبرعين.. فضلاً عن أن ثقافة المواطنين عن أهمية العمل التطوعي ما زالت في حاجة للمزيد من التوعية والمعرفة، وهذا ما نحاول التحفيز له.
وفي النهاية طلبت منها أن تقدم بعض خلاصات تجاربها في الحياة ليتأملها القارئ، فقالت:
لا تبحث عما يضنيك ويدمي قلبك ويؤذي روحك.. لا تتعجل وجعك فربما جهلك به يجعله يمر دون أن يؤلمك.. وما قدر لك ستراه آجلا أم عاجلا.. سلم أمرك لمن بيده الأمر فإن قال كن.. سيكون.. وهو خير الحافظين..
الحب الحقيقي يمنح حياة.. إن لم يكن هذا دوره فإنه شيء آخر غير الحب
أحبكم الله ورزقكم من وداده ووصاله ما يؤمن قلوبكم ويسعدها..
وأختم بما قاله العقاد: لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة… ولكنني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى