مقالات

العامیة المصریة التاریخ و الأصول

كتب / عبده الشربيني حمام

العامیة المصریة التاریخ و الأصول
تعد العامیة المصریة احد أكثر اللھجات العربیة شیوعا
و فھما بین عرب الجزیرة و مستعربي شمال إفریقیا
,نسلط الضوء في مقال الیوم على الأصول التاریخیة
لنشأتھا و أھم المحطات التاریخیة التي ساھمت في
تشكلھا .
أختلف المصریون وبخاصةً القومیون منھم ھل
المصریة لھجة أم لغة فذھب البعض أنھا لغة مستقلة بمصطلحات وتراكیب وأصول مختلفة عن العربیة
بینما نادى الأصولیون أنھا مجرد لھجة من العربیة
وان المصریین یتحدثون العربیة .
لغة كانت ام لھجة ما الذي یجعلھا ممیزة لھذة الدرجة
؟!
عند دخول العرب إلى مصر كان أھلھا یتحدثون
“القبطیة” ، والتي تعني بدورھا المصریة ، فكلمة
قبطي تعني مصري وقبط مصر ھم أھل مصر .
واقتصر إستخدام اللغة العربیة على القبائل النجدیة
والیمنیة التي سكنت مصر بعد الفتح العربي وكان ذلك
في بعض قرى صعید مصر والعاصمة “الفسطاط”
والإسكندریة ، اما باقي المدن فقد استمرت في استخدام القبطیة ، وظل الحال ھكذا حتى العام 705م
عندما أمر الخلیفة “عبد الملك بن مروان” بتعریب
جمیع دواوین الدولة بما فیھم الدواوین المصریة والتي
كانت تستخدم مزیجاً من القبطیة والیونانیة ومن ھنا
بدأ ظھور اللھجة المصریة حیث بدأت العربیة في
الانتشار بین المصریین واستمر ذلك لمدة 3 قرون (5
أجیال تقریباً) وتغیر شكلھا وتأثرت بالقبطیة حتى
انحسرت القبطیة واقتصر استخدامھا في الأغراض
الدینیة فقط ، و حل محلھا اللھجة المصریة ..
و كطبیعة الحال في طریقة تشكیل وتكوین اللغات
یبقى أثراً للغات السابقة فتركت القبطیة بصمتھا
بكلمات ك “أمبو” بمعنى یشرب “بشبش” بمعنى یبلل او یفتفت “إردب” بمعنى مكیال “مكحكح” بمعنى
عجوز .
ومن المعروف عن اللھجة المصریة انھا تمیل لتخفیف
الحروف قدر الإمكان فتجد أن ال”ج” العربیة
المعطشة والتي تنطق كال”J ” الإنجلیزیة یتم نطقھا
في اللھجة المصریة جیم مخففة كال” G “وحرف
القاف یقلب إلى ھمزة وال”ث” الى تاء وال”ئ” الى
واو او یاء وكل ما ھو ثقیل على اللسان یتم تغیره
لأقرب حرف او نطق .
استمرت اللھجة المصریة في التغیر والتشكل على
مدى قرون متأثرة بمختلف اللغات واللھجات المحیطة خاصة مع توالي الحكومات على مصر في الفترة التي
سبقت حكم الممالیك لما ھو معروف عنھم من اختلاف
الجنسیات والاعراق واللغات والثقافات بغالبیة غرب
اسیویة ، ومن بعدھم الاتراك لعبوا جمیعاً دوراً كبیراً
في نقل المصطلحات الفارسیة ك”أستاذ” معلم و
“بخت” حظ ، إلى اللھجة المصریة وكذلك التركیة
“اوضة”وھي الغرفة و “سراي او سرایا” بمعنى قصر
واللائحة تطول.
وفي أواخر القرن ال19 وبدایات القرن ال20 تأثرت
اللھجة المصریة بشكل كبیر وملحوظ فكانت الجالیات
الأجنبیة تسیطر على اقتصاد وثقافة معظم الدول في
المنطقة ، كثرت الجالیات الاجنیة في مصر خاصة في القاھرة والإسكندریة وبورسعید وكان تعلم اللغات
الاجنیة من اساسیات الارتقاء بالمستوى الاجتماعي
والثقافي حینھا فأستخدمت معظم العائلات
الارستقراطیة اللغة الفرنسیة كلغة ثانیة بعد عودة
اكثرھم من بعثات السوربون وكذلك استخدم أھالي
الإسكندریة وبورسعید مصطلحات یونانیة وایطالیة ،
وتفاقم الأمر في فترة الحرب العالمیة الأولى والتي
اتجھ فیھا الكثیر من الأوروبیین الى مصر بحثاً عن
العمل والحیاة الكریمة ، ولتمیز المجتمع المصري
حینھا حكومة وشعباً بالانفتاح سرعان ما انصھرت
ھذه الجنسات في المجتمع المصري فتعلموا المصریة
وعلموا المصریین مصطلحاتھم فانتشرت مقولة
“الخواجة بیتكلم عربي” وظلت مصطلحاتھم مستخدمة في الحیاة الیومیة ك “فاترینة” الإیطالیة بمعنى واجھة
عرض او”استبینا” بمعنى اتفقنا و”جیلاتي” مثلجات
ومن الیونانیة “ترابیزة” و”فانوس” طاولة ومصباح
اما الفرنسیة فكان لھا الحظ الأوفر فكل ما ھو متعلق
التكنولوجیا والاختراعات الحدیثة وقتھا كان فرنسي
المسمى فتجد التلیفزیون والرادیو وأجزاء السیارة
الداخلیة ك دریكسون وكلاكسون وصالون
ومصطلحات الموضة ك كوافیر بدلاً من مصفف شعر
وجیب بدلا من تنورة وبنطلون بدلا من سروال…إلخ.
واخیراً ما یجعل اللھجة المصریة ممیزة ومفھومة لیس
فقط سھولة تراكیبھا التي تخلوا من التعقیدات النحویة
لأن ذلك ینطبق على لھجات أخرى وإنما الفاصل
ونقطة الانطلاق للھجة المصریة في قلوب وعقول جمیع متحدثي العربیة كان في بدایة القرن العشرین
وتحدیداً عام 1932 عندما تم عرض اول فیلم ناطق
باللھجة المصریة على الشاشات العربیة وتوالت
الاعمال الفنیة المصریة من أفلام ومسلسلات
ومسرحیات واغاني انشرت بسرعة كبیرة في انحاء
الوطن العربي ودخلت قلوب وعقول الكثیرین
فأصبحت حفلات “ام كلثوم” تمثل سھرات ھادئة مع
فنجان القھوة اول خمیس من كل شھر وأصبحت
العائلات تجتمع صباح العید على مسرحیة “مدرسة
المشاغبین” وتم اعتبار “حدیث الصباح والمساء” و
“لیالي الحلمیة” من روائع الدراما العربیة وتحولت
الاعمال الأدبیة للكتاب إلى اعمال سینمائیة ك “قصر
الشوق” و “بین القصرین” لنجیب محفوظ و”دعاء الكروان” لطھ حسین ، وبذلك انتشرت اللھجة
المصریة في الأوساط العربیة بسھولة وأصبحت
مفھومة لمعظم العرب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى